أدخلت
المحاولة الانقلابية التي تجرى في قطاع غزة منذ ثلاثة أيام القضية الفلسطينية
في نفق مظلم بعد أن فتحت الباب أمام اقتتال داخلي في حركة فتح يذكر الجميع
بما جرى في لبنان عام 1983. ومما زاد الطين بلة تقديم رئيس الحكومة
الفلسطينية أحمد قريع لاستقالته على هذه الخلفية الأمر الذي أكمل دائرة
الأزمة. غير أن العارفين بدهاليز السياسة الفلسطينية قالوا ل<<السفير>> إن
خلفيات الحدثين مختلفة، وإنه برغم خطورة العمل الانقلابي فإن الأولوية منحت
لحل مشكلة استقالة أبو علاء.
ورأت مصادر فلسطينية أن استقالة أبو علاء اتخذت من أحداث غزة ذريعة وأن
أسبابها الحقيقية تكمن في الخلاف على الصلاحيات مع الرئيس ياسر عرفات من جهة
والقناعة بأن هذه الحكومة لن تحقق شيئا. وأشارت هذه المصادر إلى أن إعلان
الرئيس الأميركي جورج بوش أن الدولة الفلسطينية لن تقوم العام المقبل لعب
دورا بارزا في قرار أبو علاء. ومع ذلك فإن عرفات أصر على بقاء أبو علاء حتى
يتجنب في هذا الوقت الآثار السلبية لأي اختيار آخر. ومن المحتمل أن يتراجع
أبو علاء عن استقالته مقابل حصوله على ضمانات بعمل شيء على صعيد الإصلاح
والتحرك السياسي.
ويبدو أن المحاولة الانقلابية في غزة فاجأت الشارع الفلسطيني ولم تفاجئ القوى
السياسية. فمنذ أسابيع وأطراف حركة فتح تستعد لهذه المعركة التي كانوا
يعتقدون أنها ستجري تحت الطاولة. ولكنها باتت علنية وقد استخدم فيها السلاح
أمس في رفح وأصيب ما لا يقل عن عشرة في اشتباكات
بين مؤيدين ومعارضين. وبرغم أن ظاهر المعركة حزبي إلا أنها لا تخلو من
الأبعاد السياسية الأمر الذي دفع قوى مثل إسرائيل ومصر والأردن إلى إبداء
القلق الشديد مما يجري.
فليس ثمة خلاف في الساحة الفلسطينية حول أن الفساد مستشر في أجهزة السلطة.
ولا خلاف أيضا على أن عرفات يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن ذلك. ولكن
الفارق كبير بين محاربة الفساد وبين دفع الأمور نحو الاقتتال الداخلي. كما أن
الفارق هائل بين أن تحارب الفساد من موقع طهارة اليد أو تحاربه من موقع
الفساد ذاته. ولهذا يرى كثير من الفلسطينيين أن المعركة المفتوحة الآن هي في
الحقيقة <<معركة مصالح>> وصراع <<مراكز قوى>> أكثر من أي شيء آخر. غير أن
توقيت المعركة يفتح كوة على تقديرات تبين أن هناك غايات مشبوهة.
فالعالم يستعد اليوم في الجمعية العمومية للأمم المتحدة لبحث قرار المحكمة
الدولية بخصوص الجدار الفاصل. والسلطة الفلسطينية التي بقدر ما هي حاجة
فلسطينية هي أيضا حاجة إسرائيلية وإقليمية ودولية. وضمن هذه الحاجة تتقاطع
مصالح وإرادات تحاول شد السلطة إلى هنا أو هناك. وفي هذا الإطار تلعب خطة
الفصل الدور الأبرز الآن على صعيد تشكيل الدوافع لدى هذه القوى.
وبرغم أن الأسماء التي ترددت في الأيام الأخيرة هي غازي الجبالي وموسى عرفات
وشهداء الأقصى وشهداء جنين إلا أن اللعبة تدور بين عرفات والمدير الأسبق
لجهاز الأمن الوقائي العقيد محمد دحلان. ولا يختلف اثنان على أن ما يجري هو
محاولة <<لي ذراع>> الرئيس عرفات وأن الاختطاف والاستقالات والاقتتال هي مجرد
طرف الخيط لصيرورة مستمرة منذ شهور. ومعروف أن حركة فتح شهدت في الأسابيع
الأخيرة في قطاع غزة انتخابات حركية فاز فيها أنصار دحلان والمجموعات القريبة
منه. وأن الرئيس عرفات رفض هذه النتائج وأصر على تعديلها.
وكانت في خلفية ذلك قضية خطة الفصل والخطة الأوروبية والخطة المصرية.
وفي اجتماعات للقيادة الفلسطينية قبل عشرة أيام افتتح عرفات الحملة المضادة
على دحلان واتهمه بالعمالة وأنه على استعداد لبيع فلسطين من أجل نيل زعامة
غزة. وأشار في هذا السياق إلى ما يعرف ب<<اجتماع طليطلة>> في أسبانيا الذي
حضره دحلان مع وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق شلومو بن عامي. وقد ناقش هذا
الاجتماع قضية الوضع في غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي. وبرغم أن بن عامي ليس
في الحكومة ولا في البرلمان إلا أن عرفات عرض هذه القضية وكأنها <<مؤامرة>>
إسرائيلية مع دحلان ضده. والواقع أن هذا التفكير كان يشير فقط إلى دائرة الشك
القائمة بين الرجلين.
ولم يكتف عرفات بذلك بل حاول الاستعداد لمواجهة دحلان في غزة من خلال تعزيز
التحالف مع القوى الفلسطينية الأخرى. وأجرى عرفات مباشرة وعبر مبعوثين
مداولات مع قيادات فلسطينية من غير حركة فتح لتنسيق المواقف ضد الخطر الذي
يمثله دحلان.
ولكن دحلان الذي يحظى بدعم كبير من المصريين والأميركيين والأوروبيين وبقبول
من الإسرائيليين كان يعرف أنه سيخسر المعركة إن خاضها مباشرة ضد عرفات. لذلك
عمد إلى اختيار العنوان الأقرب لمشاعر الناس وهو موضوع الفساد. ومعروف أن
دحلان ومنذ تحالفه مع رئيس الحكومة الفلسطينية الأسبق محمود عباس (أبو مازن)
بات يكثر من الحديث عن الإصلاح ويضع نفسه كأحد رواده. وهكذا اختار الصدام
المتكرر مع قائد الشرطة في غزة اللواء غازي الجبالي الذي يفيض الناس في
الحديث عن مساوئه. وفي البداية تم إرسال رجال من <<فرقة الموت>> في جهاز
الأمن الوقائي لإهانته في مقر قيادته في غزة. وبعد ذلك جاءت قصة اختطافه
وإذلاله والتحقيق معه بتهم الفساد والاغتصاب.
وحسب مصادر مطلعة فإن الأمن الوقائي في غزة نفذ عمليات الاختطاف بقصد إرباك
عرفات بعد أن علم دحلان أن قرارا اتخذ بتوحيد الأجهزة وتعيين موسى عرفات
مسؤولا عن الأمن الوطني. وقالت هذه المصادر إن ما جرى في غزة كان بمعنى من
المعاني خطوة استباقية للحيلولة دون الإعلان عن موسى عرفات مسؤولا للأمن
الوطني.
ومع ذلك هناك مقربون من عرفات يرفضون هذا التقدير ويقولون إن قرار تعيين موسى
عرفات جاء بعد اختطاف الجبالي.
القوى الوطنية
رأت القوى الوطنية والإسلامية في غزة التي عقدت عدة اجتماعات طارئة في
اليومين الأخيرين أن استمرار التسيب الأمني يخدم الاحتلال الإسرائيلي ويستنزف
قدرات الشعب الفلسطيني. وشددت على أن ما يحدث في القطاع <<يسهل على حكومة
شارون تمرير مخططاتها المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني>>. ورأت لجنة المتابعة
العليا التي تضم هذه القوى في بيان لها <<أن الحل الوحيد لوضع حد فوري للفوضى
الأمنية يأتي فقط عبر الإصلاح الديموقراطي الشامل والجذري للوضع الفلسطيني
ومحاربة الفساد ومحاسبة المسيئين لاستخدام المنصب والمال العام بما يكرس
احترام سيادة القانون واستقلالية القضاء وصون الحريات والإعداد الجاد
لانتخابات ديموقراطية شاملة>>.
وأضافت <<إن الضمان لتنفيذ هذا الحل هو الشروع الفوري في تشكيل القيادة
الوطنية الموحدة التي تضم الجميع وتحقق الشراكة في صنع القرار الوطني وتحمل
المسؤولية وفق برنامج وطني مشترك سياسي وإصلاحي وكفاحي على أساس الثوابت
الوطنية الفلسطينية>>.
وأشار ممثلو عدة قوى ل<<السفير>> الى أن القوى الوطنية في مشكلة لأن القضية
برمتها في حركة فتح وهي تنبع أصلا من روح التفرد. وأوضحوا أنه برغم ذلك لا
خلاف على أن ما يمس حركة فتح يؤذي الساحة الفلسطينية بأسرها. ولكنهم يجدون
أنفسهم مع الإصلاح والدعوة إليه وضد مطامح القوى التي تقف وراء الأحداث
الأخيرة. وأن هذه القوى ليست في وارد تشجيع بروز أي بديل لعرفات. وثمة اتفاق
بين القوى على الوقوف سياسيا خلف عرفات وعدم المشاركة في التظاهرات المناوئة
له.
إسرائيل
تابعت إسرائيل بنوع من القلق الممزوج بالرضا ما يجري في غزة. وليس صدفة أن
ارييل شارون افتتح جلسة حكومتة أمس بالإعلان عن أن أحداث غزة تثبت موقف
إسرائيل بعدم وجود شريك. وتحاول إسرائيل أن تشجع بقوة كل مظاهر الانتقاد
الفلسطيني لعرفات. وقد حذرت إسرائيل الجميع من النظر إلى القرارات الأخيرة
التي أصدرها عرفات حول توحيد الأجهزة وكأنها إصلاح. وقال وزير الدفاع شاؤول
موفاز إنها مجرد عملية خداع. كما اعربت اسرائيل عن ارتياحها لانخفاض عدد
العمليات من غزة.
وقد حاول وزير الخارجية سيلفان شالوم بلورة الموقف الإسرائيلي مما يجري فأعلن
أنه من السابق لأوانه الحديث عن تفكك سلطة عرفات. وقال إن ما يجري هناك هو
الفوضى. وتصر إسرائيل على أن موقفها مما يجري في السلطة الفلسطينية مركب: فهي
ترحب بكل خطوة تضعف عرفات. ولكنها لا تريد رؤية انهيار السلطة الفلسطينية
وإعادة تحمل المسؤولية عن الوضع في الأراضي المحتلة. وقال شالوم <<إن ما يجري
ليس في مصلحة إسرائيل أو الفلسطينيين ونحن لا نريد وضع فوضى في غزة. وأعتقد
أن الاستقرار هناك أفضل لنا من الفوضى>>.
وكان التلفزيون الإسرائيلي قد أشار إلى أن عرفات طلب من مصر تسهيل أمر وصوله
إلى غزة لمعالجة الوضع هناك. إلا أن التلفزيون قال إنه لم يصل إسرائيل أي طلب
رسمي كهذا.
مصر
وقفت مصر إلى جانب دحلان منذ مدة على قاعدة قناعتها أنه الشخص المؤهل أكثر من
غيره للمساعدة في تنفيذ الخطة المصرية. وقد ساعدت مصر في التقريب بين عرفات
ودحلان وفي إجراء مصالحة بينهما. غير أن مصر من جهة أخرى ليست في وارد تشجيع
أية قوى على الحلول محل عرفات. لذلك كانت مصر أول من حاول أن يتدخل في القضية
لتهدئة الأجواء. وقد علمت <<السفير>> أن الاتصالات المصرية مع عرفات
والجماعات المقربة من دحلان لم تتوقف.
ويحاول المصريون التوضيح أنهم وإن أيدوا دحلان فإنهم لا يؤيدون هذه الخطوات.
الأردن
أعرب الملك الأردني عبد الله عن أمله في أن يعود قريع عن قراره وألا يستقيل.
وردا على سؤال لشبكة التلفزيون الأميركية <<سي أن أن>>، قال الملك <<آمل حقا
الا يستقيل رئيس الوزراء>> الفلسطيني. واعتبر أن استقالة قريع لن تؤدي سوى
إلى <<إضعاف>> المؤسسات الفلسطينية في الوقت <<الذي نحن فيه في حاجة فعلا
للتقدم>> ولا سيما بشأن قضايا الأمن. وشدد الملك على انه إذا ما تأكدت
استقالة قريع الاثنين فإن ذلك سيشكل <<ضربة قوية للجهود التي نبذلها لدفع
عملية السلام قدما>>. وأضاف <<ذلك سيرتد سلبا على الرئيس عرفات نفسه>>. وتابع
انه إذا استقال قريع <<لن يعود لدينا كثير من المرشحين لهذا المنصب>>، مذكرا
بأن رئيس الوزراء السابق محمود عباس الذي <<يتمتع بقدرات كبيرة (...) حاول
واضطر للتخلي عن منصبه>>. ودعا الملك إلى إقامة مؤسسات فلسطينية قوية قبل
انسحاب إسرائيل من قطاع غزة.