|
لماذا وصلنا إلى هذه الحال؟ |
|
عبد الله
عواد |
|
هناك شيء ما.. أوصل
الحالة الفلسطينية الى ما هي عليه الآن، ويمكن تشخيصها.. بـ(اللامبالاة)
و(القدريّة) و(الانتظار).. وشيء من (الهزيمة الذاتية)..وكذلك (الانكسار)..
وما شابه ذلك.. كما تقول مشاهد وحقائق كثيرة، ولا يمكن رؤية هذه الحالة دون
العودة نحو الوراء، نحو الحالة الجماهيرية المقاومة خلال الانتفاضة.
خذوا.. بعضاً من المفارقات المقارنات كمدخل ضروري.. نحو الاقتراب من تشخيص
هذه الحالة..
1- كان سقوط (الشهداء) دافعاً أساسياً لزيادة وتيرة المقاومة والانتفاضة..
ويكفي سقوط شهيد واحد على يد قوات الاحتلال حتى (تقوم القيامة).. ولا تهدأ..
والآن تحول مشهد سقوط الشهداء اليومي.. وبالجملة، كما أول من أمس، في طولكرم..
الى شيء (عادي)، وكأن شيئاً لم يحدث.. يتعاطى معه الناس كخبر عادي، ربما
يتوقفون عنده أو حتى لا يتوقفون..
2- لم يكن آنذاك لا فضائيات ولا هُم (يحزنون)..وبذلك لم يكن هناك لا تهديدات
بالانتقام والرد على جرائم الاحتلال، وعملياً كان رد الفعل الفلسطيني عملياً
يسبق رد الفعل النظري.. الذي كان ضعيفاً، وشكل استشهاد أبو جهاد آنذاك محطة
في تصعيد الانتفاضة والمقاومة للاحتلال.. رغم ان (الهدف المعنوي) على الأقل،
كان إحباط الناس ودفعهم لليأس.. الآن ارتفعت وتيرة الرد والتهديدات بالانتقام
على جرائم الاحتلال.. ولكن عملياً.. لم تترك شيئاً على الأرض.
3- حين كانت قوات الاحتلال تقوم بمصادرة قطعة أرض، كان رد الفعل التلقائي
سريعاً.. وعفوياً، لدرجة ان الاحتلال كان يحسب حساب كل خطوة في هذا الاطار (مصادرة
الأرض)، الآن يصادرون ما شاءوا من الأرض، ويبنون الجدران.. ورد الفعل أقل من
العادي بكثير..
4- كانت تحدث خلافات ولكنها لم تصل الى ما وصلت إليه في قطاع غزة أو نابلس،
وسريعاً ما كان يتم حلها، وسط حالة جماهيرية رافضة، وبالمطلق لأية خلافات
داخلية، والآن تغير الحال وبشكل تراجيدي مأساوي، كما يدل حديث الناس العاديين
على مشهد الأزمة الأخيرة، الذي يتراوح بين التعاطف مع الخاطفين، أو
اللامبالاة أو التشفي.. وبين الرافضين لهذا المشهد وهم أقلية، باستثناء الذين
يستشعرون بالخطر.
5- لم يكن يظهر أي حشد داخلي ضد بعض، وكانت مظاهر الحشد تتركز إما لمقاومة
الاحتلال، التي كانت حالة جماهيرية كاملة يشارك فيها الجميع، صغاراً وكباراً،
رجالاً ونساءً، وإما لفض خلاف داخلي على خلفية اجتماعية.. الصورة الآن انقلبت،
فالدعوة لحشد داخلي ليس لمقاومة الاحتلال.. وإنما لمسيرة سلمية.. يستجيب لها
عشرات.. ولحسابات فصائلية أكثر منها وطنية.. بينما الدعوة لحشد داخلي ضد بعض
كما حدث في غزة يستجيب لها الآلاف..
6- كان مجرد لجوء قوات الاحتلال لاعتقال أو حجز شخص واحد تقوم القيامة، وتهرع
النسوة لتخليصه ومحاولة تخليصه من هذه القوات.. وسط مشاركة عامة في قذف قوات
الاحتلال بالحجارة.. الآن يحتجزون العشرات والمئات والآلاف دون أي رد فعل،
سواء على الحواجز.. أم على المعابر، كما هو حال معبر رفح بحجز أكثر من ألفي
مواطن عليه منذ أيام.
وهناك غير ذلك من المفارقات والمقارنات.. فلماذا وصلنا الى هذه الحالة.. هل
انتهى الاحتلال؟ هل انتهى الاستيطان؟ وهل انتهى القتل اليومي؟!
الإجابة بالنفي طبعاً.. إذاً هناك خلل ما.. هل هو في الناس أم في الظرف أم في
العامل الذاتي؟
الإجابة.. تقول الكثير.. مما يُمكن الحديث عنه، وغيره مما لا يمكن الاقتراب
منه.. وسط حالة فلسطينية غير مستقرة..
إن حديث مسؤولي قوات الاحتلال عن (القوة) التي نجحت في إضعاف المقاومة..
والحيلولة دون تنفيذ العمليات، هو حديث (أخرق) لا ينطوي على أي شيء من الصحة،
فالمقاومة أولاً وأخيراً.. هي عنصر معنوي وليس مادياً.. في جوهرها.. والمادي
يجيء في السياق المعنوي، سواء باستخدام الحجارة أم السلاح أم العبوات أم غير
ذلك من أشكال المقاومة، هذا أولاً.. وثانياً.. إن قوات الاحتلال وعلى مدار
سني الاحتلال الطويلة لم تبخل في استخدام القوة وبكافة أشكالها.. ورغم ذلك
فإن المقاومة ظلت هي الثابت الوحيد في الحياة الفلسطينية وبشكل متموج بين
الانحسار والمد، كأية حالة طبيعية، وثالثاً.. هذاالحديث جزء من الحرب النفسية
المعنوية المرافقة لحرب القتل والتدمير والاعتقال.. ولا تحمل أي جديد..
هذه المقدمة في الإجابات تقود نحو القول.. إن الإشكالية في الوضع الداخلي
الفلسطيني، دون إسقاط تأثير العامل أو الظرف الدولي والتحولات الانقلابية في
المنطقة والعالم.. لكن ليس الى هذه الدرجة التي وصلت إليها الحالة الفلسطينية،
فأين العلّة؟! أين الخلل؟ وما هو المرض؟!
تبدأ الإجابة من المتغير الفلسطيني، وهو إقامة السلطة أو تشكيل السلطة في ظل
الاحتلال، وعند هذه النقطة هناك جانبان، الأول ان إمكانية الثورة في خلق حالة
جماهيرية مشاركة أو مؤيدة أو متعاطفة واسعة جداً.. والثاني: ان هذه الإمكانية،
تضيق في حال السلطة، أي سلطة في العالم. والسببب بسيط، ان الثورة حالة معنوية..
في أساسها.. بينما السلطة حالة مادية.. وعند ذلك تبرز الاشكالية، ويدخل عنصر
الاستفادة والمصالح..والفساد، المالي والاداري..
إن السلطة وجدت نفسها غارقة بين أولويتين.. سلطة بناء أو سلطة مقاومة، فهي لا
تستطيع أن تكون سلطة بناء فقط في ظل الاحتلال والاستيطان.. الخ، وايضاً لا
تستطيع أن تكون سلطة ثورة ومقاومة.. ما دامت قبلت ووافقت على مبدأ (السلطة)،
وهكذا كان عليها أن تجمع بين سلطتين في آن واحد.
إن التجربة الماضية على تشكيل السلطة، دلّت على وجود تيارين أو ما يشبه ذلك،
ظلا يتجاذبان السلطة، تارة نحو البناء وأخرى نحو المقاومة.. وهكذا تارة
ارتفعت وتيرة البناء وتراجعت المقاومة لدرجة الصفر، وتارة ارتفعت وتيرة
المقاومة وتراجع البناء.. ولم يتحقق التوازن بين المهمتين.. فكان الاقتراب من
البناء على حساب المقاومة والعكس صحيح.. وظهر بوضوح ان إعطاء الأولوية لأية
مهمة على حساب الأخرى كان سلبياً على المهمتين معاً..هكذا قالت التجربة..
ورغم إدراك هذه الحقيقة.. وحقيقة الترابط الجدلي بين المهمتين.. فإن الخلل
كان في التعاطي مع كل مهمة على انفراد، وتم إهمال حقيقة ان نجاح البناء
الداخلي هو المدخل الصحيح نحو نجاح مهمة المقاومة، فإن هذا ما تم اهماله..
وكانت التعيينات والوظائف.. بلا معايير وأسس محددة..
واعتُمِد العنصر الشخصي، سواء الجماعة، أو العائلة، أو الصداقة، هو المقياس،
وهكذا يمكن أن تجد عائلة كاملة هم موظفون.. بينما العائلة التي تسكن في البيت
المجاور لها لا يجد رب الأسرة عملاً له..
وتلقائياً.. كانت نتيجة ذلك الفساد الاداري والمالي والوظيفي، وما شابه..
والشللية في الشوارع والمناطق، والشللية بدخول قوى خارجية على خطوط عديدة..
إن السلطة وعبر تركيزها على الجانب الأمني.. صحيح انها بذلك استجابة لحالة
فلسطينية عامة (مقاومة) وإشباع لها.. لكنها حيث تدري أو لا تدري.. بدلاً من
سحب المجتمع الفلسطيني نحو الديمقراطية التي أصبحت إحدى وسائل المقاومة، يتم
سحبه نحو العسكرتارية التي تتعارض مع الديمقراطية.. وهكذا ظهر المشهد في غزة،
من خطف.. وحجز.. واقتحام.. الخ. |